يحيى بن معاذ الرازي

14

جواهر التصوف

* والناس ثلاثة : أولهم : مذموم لإقباله على الدنيا وإهماله العاقبة ، وهي خير منها ؛ ولأن العاقبة محل اهتمام الثاني فهو محمود ، أما الثالث : فلم تجذبه الدنيا بزيف بريقها ، كما لم تكن العاقبة منتهى أمله ، إنما كان اشتغاله بربه عما سواه ، فكان جزاؤه القرب والدرجات العلا . * * * 2 - « ما صحّت إرادة أحد قطّ فمات ، حتى حنّ إلى الموت واشتهاه اشتهاء الجائع إلى الطعام ؛ لارتداف الآفات ، واستيحاشه من الأهل والإخوان ، ووقوعه فيما يتحير فيه صريح عقله » . [ وفيات الأعيان : 6 / 167 ] . * الموت موتان : موت صوري ، ويتم بمفارقة الروح للجسد ، وهو صوري لأن الرّوح تظل حية ، وتعود يوما للبدن يوم البعث . والموت الثاني : هو الموت المعنوي ؛ وهو إرادى ، ويتمثل في ترك الشهوات . ومن الآثار « موتوا قبل أن تموتوا » وقال عنه الحافظ ابن حجر : هو غير ثابت ، وقال القارى : هو من كلام الصوفية . * ومتى صحت إرادة العبد لربه ، وفرغ قلبه لمحبته ، فمات ؛ أي أمات شهواته الصارفة له عن طاعة ربه حتى اشتد شوقه إلى لقائه على العيان والكشف في دار السلام ، والحديث : « من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » متفق عليه ؛ ومن دواعيه إلى هذا الشوق توالى الآفات عليه ، ومنها دسائس النّفس والفتن . ومن صحّت إرادته لربه استوى عنده إقبال الدنيا مع إدبارها ، ولم يعد يكدره إلا خوفه من الإبعاد والحرمان ، كما أنه استوحش من الأهل والخلّان ، وفقد الأنس بهم ، وصار غريبا بينهم ، واجتمعت عليه من أمور الحب ما تحيّر في فهمها ، ولذا ازداد شوقه إلى لقاء ربه ، وأحسّ بالاغتراب فطلب الاقتراب ، وهذا الصحابي الجليل حذيفة رضى الله تعالى عنه - عندما جاءه الموت قال : « حبيب جاء على فاقة ، لا أفلح من ندم » . وقال الششتري مترجما عن لسان الحق : إن ترد وصلنا فموتك شرط * لا ينال الوصال من فيه بقيّه * * * 3 - من كان قلبه مع الحسنات لم تضرّه السيئات ، ومن كان مع السيئات لا تنفعه الحسنات . » [ الحلية : 10 / 53 ] . * من كان قلبه عامرا بالإيمان ، مشغولا بطاعة مولاه ، حريصا أن لا يراه حيث نهاه . . إن وقعت منه بعض السيئات لا تضره لأنها بالضرورة قليلة كما أنها لمم ، وهو غير مصرّ عليها ، وقد تاب